
الشهيد السيد جواد شبر
العلامة الخطيب الشهيد السيد جواد شبّر
كانت بداياتُ السيّد جواد شبَّر مع المنبر الحُسيني وهو في عقده الأول من العمر، فقد سألتُه مَرّةً: أبتاه!! مُنذ متى وأنتم تقرؤون على الحُسينu؟! فأجابني قائلاً: أوّل مرّة قرأتُ، كان عُمري تسع سنين فقط..
.. في ذلك المُجتمع النجفيّ، وتحتَ قُبّةِ بطل الإسلام عليّ أميرالمؤمنينu.. وفي ظُروفٍ صَعبةٍ ومُعقّدةٍ، حيثُ الفقرُ والعَوزُ والحرمانُ.. يَشقّ (الفتى الطّموحُ) طَريقَهُ ليدخل مدرسةَ التبليغ الإسلاميّ - طريق المنبر الحُسينيّ -.. ويسبر أغوارَ هذا الطريق اللاّحب..
.. اقتحمَ (ذو التسع سنوات) مُعتركَ الحياةِ المُعقّدةِ، مُتوكّلاً على الله، واثقاً بنفسه وبقُدراته التي وهَبها الباري تعالى له.. وارتقى المنبر في جَوّ النجف المشحون بالعلم والعُلماء والفكر الثّر الغنيّ..
لقد أدركَ السيّد جواد شُبّر أنّه يؤدّي مُهمّته الصَّعبة ومسئوليّته الخطابية الشاقّة في أجواء ملؤها العُمق والعطاء والأصالة، فعليه -إذنْ - أن يُشمّر عن ساعد الجِدّ، أو أنْ يرحل ويترك النجفَ، تلك (المدينة العملاقة الصّعبة) نحو القُرى النائية المُتخلّفة البسيطة، والتي لا تحتاجُ إلاّ إلى قَدَرٍ يسيرٍ من المعلومات..
وأوّلُ انطلاقةٍ تبليغيةٍ ناجحةٍ ومُوفّقةٍ للسيّد جواد شُبّر، كانتْ عندما جاءَ أحدُ زُعماءِ عَشائر الفُرات الأوسط للنجف ليطلب من آية الله السيّد عليّ شُبّرvأنْ يسمحَ لولده (السيّد جواد) في إحياء ليالي مُحرّم الحرام في قريته في (المشخاب) حيث يُقامُ مجلسٌ جماهيريٌّ ضخمٌ في كُلّ عامٍ، لا يُستدعى إليه إلاّ كِبارُ الخُطباء المشهورين..
واستجابَ الوالدُ لطلب الزّعيم (السيّد نور الياسري) حيثُ أرسلَ ولدَه (الخطيب) الذي لم يمضِ أكثر من سنةٍ ونصف على قراره بانتهاج (المنبر الحسيني)... لمْ يَتردّدْ (الصغيرُ) عُمراً،و الكبيرُ (هِمّْةًً وعَزماً) أمامَ إرهاصاتِ الواقع المُعقّد وهَيبةِ الجماهير الغفيرة، ونفوذ الزعيم الكبير، وهو لا يزالُ (طفلاً) في سني صباه..!!
.. إنّ المَصاعب والمشقّات هي التي تصنعُ الرّجالَ، ولا تَستطيعُ اُمّةٌ أنْ تنهض دون أن تطهّرها نارُ العذابِ، كما يقول غاندي([1]).
ذَريني أَذُقْ حَرَّ الزّمانِ وبَرْدَهُ * * * فَلا خَيرَ فيمَنْ عَاقَهُ الحرُّ والبَردُ([2])
|
|
إنّ هِمَمَ الرّجالِ تُزيلُ الجِبالَ، فالتربيةُ والوراثةُ والمُحيطُ، كُلُّّها لها آثارٌ على صياغةِ شَخصيةِ الإنسان، تَسبِقُ عالَمَ (البيولوجيا) الذي يَحسبُ للأشياء حساباً متناسقاً مع الزمن.. والعُظماءُ يَسبقونَ عالَمَ( البيولوجيا)...! إنّهم يَدخلون في جِيلٍ آخر ومدار آخر..!! كما ينطلقُ (الإلكترون) من دائرة النواة ويُحدثُ بانطلاقهِ إنفجاراً هائلاً مُدمِّراً يُغيّرُ وجهَ التاريخ...!
.. وهكذا إنطلق الفتى (مُحمّد جَواد)([3])بملبسه المُهلهل و(عِمّته) المُتواضعة و(عباءته) البسيطة..
إنطلقَ ليقولَ لأبيه (العالِم الكبير) وليقول ل(أُسرته) العريقة.. وليقول للمجتمع النجفيّ :(إنني ذاهبٌ لأصنع لكم مَجداً.. فوقَ أمجادكم..!!).
شِيمُ الاُلى أنا منهُمُ * * * والأصلُ تتبعُهُ الفُروعُ
|
|
وهكذا تكونُ هِمّةُ وإرادةُ المؤمن المثاليّ، كما يقولُ رسول الله9: Sلو تعلّقتْ هِمّةُ أحدكم بالثُّريا لنالهاR([4]).
.. وكأنّي بالسيّد جواد يقول:
سدكتُ([5]) بصرف الدهر طفلاً ويافعاً * * * فأفنيتُهُ عزماً ولم يُفنني صَبرا([6])
|
.. هذه الرحلةُ التبليغيةُ الشّاقّةُ، كانتْ خياراً صعباً لهذا الفتى العملاق.. فتى المواجهة والمُعترك الخطابي..!!
لكنّ الله تعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً وفّقهُ ورفعهُ وحبّبهُ إلى خَلْقِه.. و(طوبى لقومٍ لا يعرفون فوق عِشقه سَعادةً، ولا يُريدون سوى لقائه إرادةً)([7])..
ويَعودُ (مُحمّد جواد) بعد موسم (عاشوراء) وهو مُكلّلٌ بالنّجاحِ، حيثُ نالَ إعجابَ الجماهير الحُسينيّة وزُعماء العشائر العراقيّة آنذاك..
يَروي السيّدُ الوالدُ لنا (عودته) هذه، قائلاً: Sعُدتُ بحمد اللهِ مُنشرحَ الصّدرِ بَعدَ ما لقيتُ النّجاحَ الباهرَ في مُهمّتي الخطابيّة هذه..R.
ويُضيفُ w قائلاً:
Sعُدتُ بـ( ليرةٍ ذَهَبيّةٍ)([8]) واحدةٍ، و(طغار)([9]) شِلِب([10]).. ودَخلتُ بيتَنا، حيثُ استقبلتني والدتي العلويّة([11]) الطّاهرة(رحمها الله)، فقبّلتُ يَدَها، ثُمّ صَعدتُ إلى( الاُرسي)([12]) ، فوجدتُ سيّدي الوالد مُنهمكاً في تدريسِ تَلامذتهِ.. فَسَلّمتُ وجلستُ.. فردَّ علَيّ التحيةَ، ثُمّ استمرّ في إلقائه دون أن يقطعَ مُحاضرته.. أما أنا فقد بدأتُ بالإقتراب من أبي شيئاً فشيئاً من دون أن يَشعُر الطَلَبةُ بذلك.. ثُمّ انحنيتُ بخفةٍ وتأدّبٍ، فقبّلتُ يدَه وفي نفس الوقت دَسَسْتُ (الليرةَ) أسفلَ الفراش الذي كان يجلسُ عليه، ثمّ استويتُ قاعداً بتأدّبٍ.. حتّى انتهى الدرسُ، فاقتربتُ من الوالدِ اُحيّيه واُقبّل يدَه ثانيةً، ثمّ سَلّمتُ على الحضور، وأسرعتُ نازلاً إلى الدار فِراراً من الموقف الصعب وهو: (ولدٌ يُقدّمُ مالاً لأبيه...!!R.
ويُضيفُ الوالد:.. Sلمْ يكُنْ توفيقي في هذه الرحلةِ مَعنويّاً فقط، بل كان (مادياً) أدخلَ السرورَ على عائلتنا الكبيرة التي كانت تعاني من شظف العيش([13])..R
ويُواصلُ السيّدُ
جواد شُبّر طَريقيّ (الخطابة) و(العلوم الحوزويّة) بتفوّقٍ كبيرٍ،
مُعتقِداً تلازم المسارين، كتلازم (الاُوكسجين)
بـ (الهيدروجين) في ذرّةِ الماء
فهو
ينظرُ للخطيب، كونه لسان
المَسجد والمرجعيّة
والإسلام والتشيّع.. بل هو لسانُ
الجسم الكبير، إذا افترضنا
هذا الجسم:
الفكرْ والعقل
والأنبياء D والأئمة
D
والعلماء
والمُجتمع والأُمّة..
ولا أنسى قوله الرائع في هذا الصّدد: Sالخَطيبُ مَفزعُ الأُمّةِ في مشاكلها والمُعبِّرُ عن آلامها وأدوائها تَقصدُهُ الجماهيرُ تَبثّهُ شَكواها وتنتظرُ منه العِلاجَR.([14])
إنّ على الخطيب
الحُسينيّ أن يكون مُلمّا ً بالعلوم المُختلفة ،
بالإضافة إلى تهذيب نفسه
بمَلَكةِ التقوى
ونبوغه في
فَنّ
الخطابةِ([15])، ولكن ممّا يُؤسفُ
له ، فقد رأينا في أوساط بعض الخُطباء مَن أهملَ
الجانبَ العلميّ واهتمّ فقطّ بأطوار النعيّ وسرد القصص والوقائع
التاريخية ورواية الأحلام والمنامات والأساطير..!ومن جانبٍ آخر،فإنّ
هناك من الحَوزوييّن مَنْ
يُفرّقون بين (الخُطباء)
و(طَلَبَةِ العِلم).!.. فهُم يُؤكّدون على عدم
اللقاء بين
الإثنين ، فالخطيبُ له
وضعُه،
وله كيانُه
ومصدرُه، والحَوزويُّ له
كذلك، أعرافُهُ ومُداخلاتُه
وتَوجّهاتُه الخاصّْةُ
به..!. هذه الأفكار
أدّتْ إلى
كوارث ومشاكل وسلبيّات
على واقعِ
المُجتمع
الشيعيّ، ما زلنا
نَتجرّعُ نتائجَها
وآثارها...! لذلك جاءَ
السيّد جَواد شُبّر
بنظريّةٍ رُبّما
كانتْ الاُولى
مِن نوعها، وهي كما
أسلفنا (إلتحام ذَرتيّ
الاُوكسجين بالهيدروجين)
لتُوّلد شيئا ً يحتاجُهُ
الجميعُ وتحتاجُه الحياةُ
بأجمعها وهو
Sالماء R.
فالأُُمّةُ تحتاجُ إلى عُلُومِ القُرآن وعُلوم مُحمّد(ص) وآل مُحمّد، مِن خلالِ خُطباء واعين... }الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إلاّ الله{([16]).
فمِنْ هذا المُنطلق،شَمَّر الخطيبُ الغَيورُ (شُبَّر) عن ساعديه ونهضَ بمسؤوليّته الدينيّة والإجتماعيّة ، لينقلَ هذه (الفكرة الواعية) إلى عمق الأُمّةِ وفي جَميع أجزاء الجَسد الشيعيّ ، والذي كان في بداية الخمسينات يَعيشُ مِحنةَ (الإنهزام) ومحنةَ (الصراع السياسيّ)..!!.
([1]) الطيّب من القول: ج1ص73.
([2]) الشعر لكاظم الاُزري – Sالطيّب من القول: ج1ص73R ،عن ديوان الاُزري.
([3]) هذا هو الإسم الحقيقي للخطيب السيّد جواد شبّر، كما في الجنسيّة وفي توقيعه.
([4]) الطيّب من القول: ج1ص74
([5]) سدكَ به: لزمه.
([6]) البيتُ للمُتنبّي (راجع ديوانه)، عن - الطيّب من القول،ج1ص74 -.
([7]) هذا القول لصدر المتألهين، راجع (الطيّب من القول):ج1 ص14.
([8]) حيث كانت أعلى عملةٍ قيميّةٍ إقتصاديّةٍ.
([9]) طغار: وحدةُ وَزنٍ تعادل 2000 كيلو غرام- 2طن-.
([10]) شلب: أيّ الرز.
([11]) وهي من اُسرة السّادة (آل وتوت)، من الحلّة.
([12]) وهو المُلحقُ العلويّ للدّار، ويستعمل للضيوف غالباً.
([13]) كانت عائلةُ الجدّ المرحوم السيّد عليّ شبّر تسكنُ في بيتٍ، بالأصل (مقبرة) تعود لآل SالچرچفچيR في محلّة العِمارة، فالطابق السّفلي فيه لحود الموتى، والطوابق العلويّ مُقسّمٌ إلى وحداتٍ صغيرةٍ – وقف-.
([14]) مجلّة إلإيمان النجفيّة، العدد 7-10(السنة3- 1967).
([15]) راجِعْ موضوع (مواصفات الخطيب الحسيني، لمحمّد أمين شُبّر) في مجلّة Sرسالة الحسينuR العددين 1-2.
([16]) سورة الأحزاب: 39.